جلال الدين الرومي
129
فيه ما فيه
المؤمن الكافر ولا يقول أحدهما كلمة فهما نظيران متساويان ؛ لأنه لا مؤاخذة على الأفكار ، والباطن عالم حرّ ؛ لأن الأفكار لطيفة ولا يمكن الحكم عليها ( نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ) والحق تعالى هو الذي يخلق تلك الأفكار فيك وأنت عاجز عن دفعها عن نفسك ولو بالغت في الجهاد والسعي . إذن يقال إن اللّه تعالى لا يحتاج إلى ذريعة والة . ألا ترى أنه حين يخلق فيك تلك التصورات والأفكار يخلقها بلا الة أو واسطة أو قلم أو لون . تلك الأفكار ما هي إلا طيور هوائية وغزلان برية لا يحل لك بيعها شرعا إلا بعد أن تأسرها وتحبسها في أقفاص ؛ لأنها تخرج ما دامت بالباطن ؛ فهي بلا اسم وصفة ولا يمكن الحكم عليها لا بالكفر ولا بالإسلام . لا يقول قاض أبدا إنك اعترفت في داخلك بكذا أو بعت كذا أو تعال واحلف أنك لم تفكر هذا الفكر في باطنك ، لا يقول هذا لأنه ليس لأحد حكم على الباطن . الأفكار طيور هوائية فإن دخلت في العبارة فيمكن آنذاك الحكم عليها بالكفر أو الإسلام وبالشر أو الخير كما أن للأجسام عالما فإن للتصورات عالما وللتخيلات عالما وللتوهمات عالما ، والحق تعالى وراء كافة هذه العوالم لا هو بالداخل ولا بالخارج . فانظر في تصريفات الحق أو في هذه المتصورات التي يصورها بلا كيف أو حالة أو قلم أو الة . لو شققت الصدور وطلبت هذا الخيال أو التصور وشرّحت اللحم فلن تجد بها تلك الأفكار ، لن تجدها في الدم ولا في العروق ولا بأعلى ولا بأسفل ولن تجدها في أية جارحة ؛ فهي عديمة الجهة والكيف والشبه ، ولن تجدها أيضا بالخارج ؛ إذن فبما أن تصريفاته في هذه التصورات بهذا الحد من اللطف من عدم الصفة